04‏/11‏/2009

الأربعاء وراحة البال ..




بـعد ضـغط دراسـي قـوي فـي هذا الأسبوع يأتي يوم الأربعاء ليضع لمساته الذهبية ويخفف الضغط عن العقول والأبدان والأنفس ..
العقول ترتاح قليلاً من وهج الدراسة والأبدان يخف حملها للرؤوس المملؤة والأنفس تفرج عنها هم التفكير والضيق والسأم و صياغة الخطط الأسبوعية أو الـ planning على قولة البعض تبدأ من جديد وتُفتح صفحات جديدة وأهداف أكثر طموحاً ..

كذلك هي العواصم وبالذات مسقط عاصمتنا الطيبة الجميلة العامرة ،،
مسقط تبتسم ابتسامة الجمال في يوم الأربعاء فآلاف من أهالي المناطق العمانية" رعاة البلدان " يغادرون مسقط إلى بلدانهم لتتنفس الشوارع والأسواق والمراكز التجارية ويقل ازعاج "الهرنات" وحركة السير في الحارات القديمة في مسقط ..

في يوم الأربعاء ونهاية الأسبوع يمكنك أن تخرج من بيتك كي تشتري غرضاً من الأغراض البسيطة من السوبر ماركت المجاور لحارتكم دون تأخر لنصف ساعة بسبب الإزدحام ويمكنك كذلك أن تأخذ عشاء من المطعم المجاور وأنت مرتاح البال متأكد بإمكانية إيجادك موقف لسيارتك بكل سهولة ، يمكنك أن تمشي على كرنيش السيب مصحوبا بهدوء وسكينة البحر العتيق ، يمكنك زيارة سوق السيب في صباحه الباسم دون ازدحام يرفع الضغط ويجلب الأمراض ..
يمكنك أن تقوم بأشياء كثيرة في يوم الأربعاء واليومين التاليين دون ازعاج الإزدحام والضوضاء الناتجة عنه ..

الأربعاء ونهاية الأسبوع أوقات جميلة بكل ما للكلمة من معنى .

29‏/10‏/2009

الموت والميلاد والظلام والضياء .. (1)



أخبرني صاحبي ذات مساء بمجموعة مذكرات قرأها من دفتر لوالده الذي ورثه عن جده المرحوم ، فصاحبي هذا يحب قراءة مذكرات كبار السن وخاصة ذوي الإطلاع والقراءة منهم ويحتفظ بمجموعات منسوخة منها ليست بالقليلة يتحفنا بواحدة منها في كل جلسة ولقاء يجمعنا ليعطر بها المجلس ويثير التساؤلات موجهة من الحاضرين من الأخوة والأصدقاء لبعضهم البعض فقد أذن له والده في التصرف بالمذكرات بما فيه الفائدة العلمية والمعرفية.

يقول صاحبي نقلاً من دفتر أبيه عن قلم جده:

في يوم من أيام الزمان الطويل ببلادنا هذه المليئة بالجبال والأفلاج والفيافي والقفار وفي ليلة غاب عنها القمر بعد أن لبدت سمائها الغيوم الثقال وبينما كنت أقعد خلف طاولة مكتبي المتهالك في بيتنا الذي ورثته عن أبي الشيخ الضرير رحمه الله أقلب أحد مجلدات رسائل اخوان الصفا وخلان الوفاء المحققة ببلاد الهند والمطبوعة بها وقعت إذ ذاك يدي قبل نظري على ظرف رسالة بين رسائل كثيرة وصلتني قبل يومين وسهيت عن فتحها و التحقق عما بها لأشغالي الكثيرة .. أخذت الظرف المطرز بجميل خط وأنيق زركشة وقلبته كي أفتحه وأهم بقراءة ما بداخله من رسالة ومرسول كلام فوجدت التالي :

( إنه شتاء تلك البلاد القارص ، ترتعد الفرائص ، وتزمجر الأسنان فوق الأسنان محاولة منها لردع جحافل البرودة القاسية ، أصوات تتسرب إلي من بعيد كأنها صيحات مقاتل جريح أو عواء ذئب يرسل صيحاته مسابقاً صرير الرياح الباردة .. لا أدري بل أكاد لم أدري ولن أدري كيف يمتزج كل هذا الخوف في آن واحد حتى الدموع إن استأذنت بالخروج لتخفف عن النفس ثقل الحزن فإنني أمنعها كي لا تموت متجمدة على خدي فلها لدي كباقي أعضاء جسدي عهد وميثاق بالحفاظ عليها حتى يأذن الله لروحي بالرحيل .. كنت ألتحف بكل ما أملك من أنواع القماش الصوفي والقطني وأخريات لا أعرفها وأشعل النار أملاً بشعاع دفئ يضفي على الجسد قبسات نور تواجه ظلمة البرد والشتاء الحالكة ،، وكنت هذه أصبحت من الماضي بعد ما جائني الخبر الحزين .

فطبقة من القماش فوق أختها أحس بتهالكها الواحدة تلو الأخرى أمام رماح البرودة الشرسة ، وبقايا اللهيب الناري أمامي هي الأخرى تترنح وتلفظ أنفاسها الأخيرة .. ما الذي يحدث هنا ؟!

يا لها من ليلة رهيبة ، ليست كباقي الليالي الماضيات ، أكاد أجزم أن جميع الحيوانات تبيت منزوية في مخادعها وإن خرجت أحداها منها فإن أنياب الشتاء ستكون لها بالمرصاد ، حتى شقيقي الإنسان أراه يتركني أواجه مصيري وحيداً بين كل هذه الكثبان الثلجية ويتخلى عني كأني خيط صغير لا أهمية له في هذا الكون الضخم الهائل ..

أطرافي تزداد برودة وأحس بأن الإحساس بوجودها بدأ بالزوال .. حرارتي تنقص ونشيج رئتي ينقبض وجارها القلب يأن ويضعف ليرسل وصيته الأخيرة لأصحابه جميعاً أن تجهزوا لزيارة محتملة لما يسمى بالموت ،، فكل الظروف تحثه على القدوم وكل الأحداث الأخيرة أردت بمناعة الجسد إلى قاع من الضعف الشديد فلا بد من استقبال لهذا المجهول في أي وقت قادم ..

أحس بدوار وصداع وبعدها نعاس هائل جذبني لفقدان الوعي والغياب عن كل المحيط .. لا أدري ما الذي حدث أثناء الغياب ولكنني وبعد فترة استيقظت لأجد نفسي على سرير طبي في أحد المستشفيات لأتلقى علاجاً عاجلاً لإنعاش الأعضاء المتأثرة كثيراً بالبرودة القاسية .. سألت أحد الأطباء عمن أتى بي إلى هنا ؟ فقال بأن احدى دوريات الشرطة وجدتك في حالتك تلك تحت إحدى الأشجار وأتت بك إلى هنا .. استغرقت في المستشفى أتلقى العلاج لأكثر من أسبوعين وخرجت منه لأراجعه كل شهر للتأكد من تحسن حالتي وعودتها إلى ما كانت عليه قبل الحادثة ،، حمدت الله كثيراً بأن أنقذني مما كنت فيه وكتب لي عمراً جديدا ..

كما قرأت أيها الزميل ، وبعد حادثتي هذه أجد في نفسي رغبة عارمة للخوض في لغز الزائر الذي تحدث عنه قلبي في وصيته للآخرين من أخوانه ،، فهل لك أن تأخذني في رحلة غموضياته التي حاول أن يسبر أغوارها الإنسان ويبني أمامها الكثير من الأفكار والمعتقدات والفلسفات قبل دين الرحمة الإسلام وبعده وإبان العصور القديمة والحضارات الغابرة والمنسية ؟!

إن فعلت ذلك كنت لك من الشاكرين وإن أحجمت فسأقدر لك احجامك وأعذرك حتى يصلني الخبر اليقين ) ..

تبسمت ضاحكاً مما ختم به رسالته وتأملت في طلبه المهم والصعب في الوقت نفسه ، فهو يريد مني الخوض في بحر خاض فيه فلاسفة ومفكرون وعلماء ومثقفون عاشوا على هذه البسيطة قبلي بسنوات كثيرة وكتبوا عنه ما تعجز الدواب الصابرة عن حمله ، فكيف بي أنا العبد الضعيف الفقير علماً ومعرفة أن أحمل قاربي العتيق لأعبر عباب البحر وأجدف فيه بألواح قديمة ؟ وكيف لي أن أسرد قصة غيبية لا أعرف عنها من حقيقة إلا ما ذكره الله في كتابه وتواردت إلينا عنها المرويات المنسوبة لنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ،،..

وبعد تلك التساؤلات والإستفهامات وبينما كنت أهم بوضع الرسالة في مكان قريب مني على ظهر الطاولة انتبهت لكتابة على ظهر الرسالة يبدو أن صاحبها قد أضافها هناك تدعيماً لطلبه ، وكانت كالتالي : " حدثني عن الموت عند الإغريق وعنه عند حضارات الشرق ودياناتها اللاسماوية وعنه عند فلاسفة المسلمين وردودهم على مخالفيهم في العقيدة "..

اتضح الطلب لدي بعد أن قرأت تلك الملاحظة في ظهر الرسالة وبدأت بعدها في إدارة مسننات رأسي علها تبدع في وضع اللبنات كي يكتمل بنيان الجواب ..

تناولت قلماً وورقة وبدأت أكتب :

" بسم الله الرحمن الرحيم

وبه أستعين ..

فقد وردني كتابك وما فيه مما كتبه الله أن يصيبك واني أحمد الله على سلامتك وادعوه تعالى لك بالشفاء العاجل والصحة والعافية ..

وقد تفحصت بعدها طلبك في آخر المقال وإنني والله زادي قليل لا يقدر على ارواء ظمأ طلب العلم لديك ولست من أهل العلم ولا الفكر حتى يخوض في مسائل كهذه بحيث يتمكن من اشباعها شرحاً وتفصيلاً ويأخذ منها ويعطي ولكن ومع ذلك لن أرد طلبك وسأكتب لك ما اعرفه في هذه المسألة والله ولي التوفيق .

فاعلم أولاً أيها العزيز أن الموت حقيقة لا بد منها وأن الموت إن حان موعده فلن يتأخر لحظة ولن يتقدم ، هذه الحقيقة سيواجهها الجميع أكان ملكاً أم عبدأ ، رجلاً أم امرأة ، شيخاً أم طفلاً . جميعهم ستأتي ساعة فراقهم للحياة الدنيا ينطلقون منها إلى حياة أخرى يكون القبر بابها والمبعث انطلاقتها .. أنا وأنت والآخرين سنكون في عداد الأموات عندما يأذن الله بذلك وأنا وأنت سنبعث من قبورنا لنحاسب على عملنا في الحياة الدنيا ويُحدد مصيرنا في الحياة الأخرى به أإلى الجنة أم إلى النار وفي أيهما يكون الخلود .. هذا ما أؤمن به وأراه حقاً لا بد من وقوعه وهذه هي الحقيقة التي أخبرنا الله بها في كتابه العزيز وهي باختصار شديد نظرة الإسلام لقضية الموت وما بعده وسأفصل فيها بعد تفصيل قضايا قبلها ..

سأبدأ من الفكر الغربي و قصة استقراءه للموت ونظرته إليه وستكون البداية من حضارة الإغريق أم المدنية الغربية وإحدى المؤثرات الكبريات في تاريخ الإنسانية الطويل ..

هناك الفلاسفة ما قبل سقراط كطاليس اليوناني الذي عاش في مدينة ميليتوس في آسيا الصغرى والذي يقول بأن الماء هو أصل الكون وتكوينه الأساسي . واناكسمندر وهو من نفس جماعة طاليس إلا أنه تدرج في فكرته حول الكون وأصله إلى أن قال بأن الهواء هو أصل الكون ليتكثف ويكون الماء والنار مخالفاً بذلك فكرة طاليس.

وإذا نظرنا لهذه الفكرة من إطارها القائل بأن أصل الكون واحد أكان ماءاً أو هواء وقوتها فإن انهيار المتكون بالموت سيكون أقل قوة وحدة من أصل الفكرة نفسها ، فنجد أن اناكسمندر له نص فلسفي يقول فيه ( أن الأشياء تفنى وتنحل إلى الأصول التي نشأت عنها ، وفقاً لما جرى به القضاء ) فهذا الفيلسوف يحاول مواجهة لغز الموت وفناء الأشياء بافتراضه أن هذه الأشياء تعود بعد مماتها وفنائها إلى أصولها التي نشأت عنها محاولة منه لتحييد الموت واحياء الأمل في عدم قدرة الموت على افناء الشيء و اتخاذه مركز السيادة ، ربما أثر فيه مشاهدة الموجود يفنى أمامه والسؤال بالهدف من وجود الموجود إن كان مصيره إلى الفناء ! فكانت الإجابة محاولة منه لتخفيف شدة السؤال والحيرة التي تعتريه بافتراض أصل الكون من الهواء وعودة الموجود بعد موته إلى أصله الذي كان عليه .

وهناك كذلك هيرقليطس وفيتاغورث ، فهيرقليطس يقول بأن العالم لا يتماسك إلا بالصراع بين الأضداد ، بين الحياة والموت واليقظة والنوم وبين غيرها من المتناقضات ، و هذا الصراع هو العدل الأكبر لا ظلم فيه ولا بخس ، فالعالم بهذا الصراع ذو حركة دائمة لا ثبات فيه لأي شيء أبدا.

هيرقليطس هذا أيها الزميل يقول بأن أصل الأشياء وجوهرها كلها نار، ولأن كل العالم يتخذ من الصراع مسلكاً ومن التغيير والحركة الدائمة سبيلاً لا يحيد عنه ولا يبتعد كما يقول فإن الموت كذلك لن يبقى على حاله ولن يدوم فالروح الإنسانية كما يقول جزء من النار التي تؤثر بتقلبات كبيرة في قدرة هذه الروح على الحياة في جسد المرء فإن كانت جافة اقتربت من الحكمة وإن كانت رطبة اقتربت من الموت اللانهائي الغير مستقر على حالة الفناء وإنما التدرج لحالات أخرى كما قلتُ سابقاً .

أما فيتاغورث فقد قال بتناسخ الروح ، فالروح تخرج من الجسد عند الموت لتتطهر ثم تعود لجسد آخر عند ميلاده وهكذا لعدة مرات حتى تبلغ النهاية بالإتحاد مع الله ، وقد تجد هذه الفكرة تتجلى كثيراً مع بعض الإختلاف في معتقدات أديان وثنية كثيرة في الشرق كديانات بلاد الهند وبني الأصفر في أقصى الشرق وربما يكون منبعها من لدن فيتاغورث وتسربت بعدها إلى معتقدات هؤلاء والله أعلم .

واذا نظرنا إلى فلسفة ديموقريطس القائلة بأن الأشياء مكونة من ذرات فإنه ومن خلال هذه الفلسفة يقول بعكس ما قاله الآخرون قبلاً في نظرته للموت ، فهو يقول بفناء الروح فالذرات التي تتكون منها الروح تتبدد وتتحلل تحللاً كاملاً ..

هذه نظرة الفلاسفة اليونان ما قبل سقراط إلى الموت و ما بعد الموت مع عدم تجاهل أقوال الآخرين من الفلاسفة المعاصرين لهم كـلوسيبوس و بارمنيدس و أناكسجوراس وآخرين لا يسع ذكر ما قالوه في هذه الرسالة ).

تركت قلمي والورقة ونويت أكمال رسالتي بعد قسط من الراحة .. أخذت أجول بناظري في المكتبة العتيقة المليئة بأمهات الكتب في شتى فنون المعرفة ، لقد صدق والدي عندما قال أن الكتاب له قرب من القلب يجاوز مئات الدراهم والدنانير ، فهو رحمه الله وإن أخذ الله تعالى عنه البصر فإنه كان متعلقاً بالكتب تعلقاً شديداً وقد كنتُ اقرأ عليه صفحات من كتاب يختاره بنفسه بعد صلاتي الفجر والعصر ويناقشني فيما اقرأه عليه ويقص علي العديد من القصص التي خبرها من حياته الطويلة خارج البلاد ومن ثم داخلها متنقلاً بين فيافيها وقفارها، ويحاول بكل جهده أن يحثني على الإطلاع واكتشاف العلم ومحاولة الكشف عن المعرفة من كل مخابئها .. فقد كان شيخاً تقياً نقياً يطيل صلاة ليله ويصوم أياماً كثيرة يتقرب من خلالها إلى الله العزيز الحميد ولم يكن يحصر نفسه في مكتبته ومجلسه والمسجد وحيداً بل كان يستقبل الضيوف القادمين إليه من مناطق مختلفة يسألونه فيما أشكل عليهم من أمور دينهم و يأخذون بمشورته في أمور دنياهم ويحاول بشتى الطرق مساعدتهم وارشادهم لما يراه خيرا لهم ، رحمه الله رحمة واسعه وأسكنه فسيح جناته .

وأنا أستحضر ذكريات الماضي إذ ذاك اتنقل بين حادثة وحدث ومقام ومقال اخفف على عقلي آثار الطحن الفلسفي في مقدمة الرسالة سمعتُ وقع أقدام تقترب من باب المكتبة ، وطرقات خفيفة على جدارها الخشبي تمتزج مع أصوات قطرات المطر التي أذن الله لها أن تنزل راحماً عباده ، وتتدرج في الهدوء كلما ازدادت زخات المطر بالهطول ،تسائلت في نفسي عن هذا المزعج في هذه اللحظة يقطع عني خلوتي مع الذكريات ! نظرت إلى القادم فإذا به ابني الأصغر علي .. آآه أيها الصغير .. دائماً ما تقطع خلوة أبيك التي يقتطفها اقتطافاً من ساعات يومه الحافل بالمشاغل المختلفة .. نظر إلي وفي عينيه بصيص من جمال حياة عذبة وتشرق بوجهه ابتسامة ممتزجة ببراءة الطفولة وطهارة القلب ..

مسحت على رأسه وقبلته وأجلسته عندي أتفكر من خلاله في لمحات من مسيرة الإنسان منذ بداية وجوده إلى الآن ..

منذ آدم إلى الآن ومليارات من البشر ظهرت على وجه البسيطة ثم اختفت ، أمم وضعت بصماتها على سجل التاريخ ومنها لم تضع فتجاهلها التاريخ نفسه وطوى صفحاته عنها ، و حضارات قامت على جثث المستضعفين وأخرى لحمايتهم وفي كلها وعَبر تاريخ الزمن حكايات وروايات ودروس وعِبر تترى علينا أملاً أن يتعلم منها الناس ويتجنبون الخوض في المستنقعات التي سقط فيها أسلافهم ولكن وللأسف نرى الحكايات تتكرر وتزداد قسوة وشراسه .. هل يفرض علينا التاريخ نفسه ويعيد كراته علينا ؟ أم أن الإنسان يفرض على التاريخ تمزيق الصفحات السالفة ولصقها في حاضرنا ؟ هل للموت الذي بحث عن سره الفلاسفة والمفكرون في أممهم وحضاراتهم دور في سير عجلة الزمان بما نراه حاضراً وماضياً من نشر عرائس الدم وكتابة التاريخ بلونه الأحمر ؟! هل إيمان المرء بأنه روحه أرقى من أرواح الآخرين بجنسه الآري أو السامي أو الأبيض بشكل عام يجعل منه شيطاناً ذو أنياب تمزق أجساد الآخرين من أجل رقي جنسه مادياً ؟!

لعلي أبحث عن سر التاريخ والحياة و خليط الدماء في وقت لاحق كي لا ألزم عقلي بطحن فكري آخر يزاحم ما خزنته الذاكرة من أقوال الفلاسفة والأديان عن الموت وما بعد الموت ..

ابتسمت في وجه علي وناديت أخاه الأكبر كي يحمله خارج المكتب فأمرُ الرسالة يحتاج إلى فضاء فكر ومكان ..


يتبع في جزئه الثاني .

09‏/10‏/2009

تفـجـيرات على سـطـح القـمر بـحثاً عن الـمـياة ..




تعتزم وكالة الفضاء الأميركية 'ناسا' إحداث تفجير متعمد على سطح القمر، ظهر اليوم، في محاولة لاكتشاف ما إذا كانت تربة القمر تحتوي على المياه وهي المادة اللازمة للحياة.

وأُطلق على المهمة اسم LCROSS (مسبار فوهات القمر للملاحظة والتحسس)، وتناهز كلفته 79 مليون دولار حسبما أفادت مصادر إعلامية عالمية مختلفة ..

ومن المقرر أن يصطدم صاروخ أطلقته ناسا بالقطب الجنوبي للقمر ما سيؤدي حسبما هو متوقع إلى تصاعد سحابة كثيفة من الغبار.


وسيكون صاروخ يبلغ وزنه 2200 كيلوجرام الأول الذي سيرتطم على سطح القمر ليثير عمودا من الغبار يزن 350 طنا ويبلغ ارتفاعه 10 كيلومترات أو أكثر.


وسيقوم قمر صناعي بعد ذلك ببث بيانات وصور هذا الاصطدام إلى الكرة الأرضية لمدة ارتع دقائق ثم سيتحطم هو الآخر على سطح القمر.


وسينجم عن الارتطام فوهة سيبلغ اتساعها عشرين مترا وعمقها أربعة أمتار كما ذكر.وستعرض 'ناسا' مشاهد هذا التصادم الفضائي في بث حي ومباشر عبر موقعها على شبكة الإنترنت.

وإذا ما أثبتت التجربة نجاحا فإن ذلك قد يضمن توفير إمدادات حيوية للقاعدة المقترح إنشاؤها على سطح القمر.والقمر في معظمه عبارة عن صحراء قاحلة, لكن الفوهات البركانية التي لا يصلها ضوء الشمس ربما تكون تحتجز جليدا.

وقد ظل الاعتقاد السائد لأمد طويل لدى علماء الفلك أن الأمطار التي تهطل من المذنّبات هي التي ظلت تجلب المياه إلى سطح القمر القاحل المقفر عبر مليارات السنين.

المصدر:مواقع متعددة.



تابع البث المباشر للحدث من موقع ناسا

08‏/10‏/2009

حـقـيقـة انـفلـونزا الـخنــازير H1N1 مـع بـلا حدود.

للجزيرة حراك ساخن هذه الأيام ، بدأت بنظرية داروين وإمكانية نسفها ثم بعدد المسلمين المتزايد حول العالم والذي تحدثت عنه في تدوينة سابقة وانتهاءاً بـ انفلونزا الخنازير وحقيقته الغامضة ..

وكما رأيتم البارحة طالعتنا قناة الجزيرة ببرنامجها الأربعائي - إن صحت التسمية - المسمى بـ بلا حدود والذي يقدمه الإعلامي المتميز أحمد منصور بلقاء مع الدكتور ليونارد هورويتز وهو أمريكي الجنسية ، الدكتور هورويتز عالم فيزيائيات وخاض عدد من السجالات ضد جهات في أمريكا يتهمها بتصنيع فيروس H1N1 ،،
الحلقة وما ظهر بها كان محيراً جداً .. فالعالم يبحث بأسره عن علاج أو لقاح يوقف زحف هذا المرض بطلائعه الفيروسية و الدكتور يقول بأن المرض ذو خلفية غامضة ظهرت بصمات إنسانية فيه ولقاحاته لها ما بعدها من مصائب وأعراض جانبية تضر بالإنسان .. ولا ننسى طبعاً الإتهامات التي وجهت في الحلقة إلى رؤوس المال في أمريكا بقيامهم بنشر الفيورس من أجل المصالح الإقتصادية !

عموماً سأدرج الحلقة هنا كاملة من الـ youtube ولتتابعوا بأنفسكم .




رُبـع سـكـان الـعـالـم مـسـلـمـون .



قرأت اليوم مقالاً عبر موقع قناة الجزيرة يتحدث عن احصائيات لمنتدى متخصص في الأديان أن عدد المسلمين قد بلغ أكثر من مليار ونصف المليار إنسان وهو ما يعادل تقريباً ربع سكّان العالم .. وخلص التقرير إلى أن توزيع المسلمين على رقعة الأرض يتابين من بلاد إلى أخرى ، فمثلاً عدد المسلمين في ألمانيا يزيد عن عددهم في لبنان ، وعددهم في روسيا أكثر منه في الأردن وليبيا معاً لنجد من ذلك وأكثر أن المسلمين في دول غير اسلامية يزيدون عن عددهم في دول عربية !
ستجدون المقال هنا .

عدد المسلمين والحمد لله في ازدياد ، والدعوة الإسلامية تنتشر بسرعة كبيرة في أجزاء مختلفة من العالم ، تستخدم لهذه الدعوة وسائل مختلفة تبدأ بالكلمة والقلم وتمر بضغطات الأزرار عبر الإنترنت وترتقي حتى تصل إلى وسائل يراها الكثيرون متقدمة جداً .. ولكن لمَ لا نرى هذا العدد الكبير من المسلمين يرمي بثقله على ميزان التقدم في مجالات الحياة المعاصرة ، نجد الفقر يحيط بمعظم دول الإسلام وكذلك التخلف من الناحية العلمية لدولها مروراً بالإقتصاد والديكتاتورية السياسية وصراع الأفكار المختلفة ..
أسئلة يطرحها كثير من المسملين وغير المسلمين وناقشها عدد من الكتّاب والمفكرين وإلى الآن ما زال العالم الإسلامي يرزح منذ قرون تحت طائلة ظلمة حالكة ..
ليست المشكلة في العقل العربي أوالمسلم وليست هناك أية مشكلة كذلك في الإسلام وأحكامه ، ولو كان هناك خلل في احدهما لما وجدنا المسلمين يسيطرون على العالم ويبنون واحدة من أعظم حضارات العالم في فترة طويلة من فترات التاريخ البشري ..
هل هناك حلول لكي تقشع هذه الغيوم ؟ ومتى يأتي اليوم الذي نرى فيه المسلمين والعرب يعتلون قمم الحضارة الإنسانية من جديد ؟ أسأل الله التوفيق لأمة الإٍسلام وأبنائها ، آمين يارب العالمين.

03‏/10‏/2009

نـظـريـة دارون وعـودة الـجـدل حـولها مــن جــديد !


علماء من جامعتين أمريكيتين يظهرون نتائج أبحاث استمرت لأعوام ،،
اكتشاف لهيكل عظمي تم العثور عليه في أثيوبيا عمره أكثر من أربعة ملايين عام ..

الجدل يثور من جديد حول هذه النظرية التي كان لها ما بعدها في التاريخ الإنساني عبر أكثر من مئة عام !

هنا تقرير الجزيرة التي ثار ضدها الكثير من المتابعين لتدليسها في الخبر - كما يقولون - والله أعلم .






28‏/09‏/2009

ما لنا ولهذا الشر يا صديقي !




هذا حوار أكتبه هنا بين أيديكم ، طويل بعض الشيء .. أعلم أني متأثر فيه كثيراً بأحاديث لعباس العقاد .. ولكن لا ضير في ذلك ستستمتعون كثيراً بقرائته ..
صاحبي حزين ، تكاد تنفجر الدموع من عينيه كلما تابع نشرة أخبار وقد تتسلل بعضها على خديه خفية فيكشفها ويردي بها سريعاً .. تحزنه كثيراً مشاهد القتل والدمار والحروب والمجاعات والأوبئة التي تتداول أخبارها القنوات يومياً ، ويضرب أخماساً على أخماس بعد انتهاء نشرة الأخبار والتيقن من حال العرب والمسلمين المتجدد إلى الأسفل .. لا يتأسف فقط لحال العرب والمسلمين ولا تنأى مشاعره عما يحدث في عوالم أخرى يقطنها الإنسان فأولئك من بني البشر وتربطنا معهم علاقة الإنسانية فهو يحزن لهم كثيراً وما يحيق بهم من شر.. انا أتفهم شعوره جيداً ، وأفهم الحال الذي يحس به ، وربما أصاب ببعض مما هو فيه من هم وحزن عند مشاهدة الكوارث والآفات المنتشرة في طول المعمورة وعرضها .
ذات ليلة قمرية من ليالي يناير الباردة جلسنا أنا وهو وبعض الشباب جلسة جميلة على أحد الشواطئ يحفها شراب الشاي الساخن والذي يضفي على الحوار سخونة تزيد من حرارته التي ألهبها الحديث الجديد علينا هذه المرة ! فقد كان موضوع هذه الجلسة يتجاوز الأسلاك الحمراء ويقفز إلى نقاط بعيدة عن مواضيعنا المعتادة ، فهو ليس فقهي ولا تاريخي ولا علمي يمكن لأي أحد أن يفتي فيه بسهولة بعد قراءة كتاب أو كتابين بل فلسفي عقدي فكري يمزج بين الثلاثة جيداً ويطرح أسئلة من العيار الثقيل ..
حوارنا الجديد فجّره صاحبنا وبدأ فيه بإطلاق أوّل رصاصة قائلاً:
يا لجمال هذه الجلسة وجمال الوجوه وجمال الحديث هنا ،، جمال تزخرفه أصوات الأموج الهادئة وأنوار القمر الباهرة وهدير محركات تأتي من بعيد .. أنتم تعيشون حياة هنيئة وأنا معكم أتقاسم الخير كله .. نمضي في حياتنا وتسير بنا الأيام من صباحها لمسائها مليئة بالخير لا يقض مضجعها أي حزن ولا شر .. حياتنا كلها خير والحمد لله ..
ولكن ، لمَ لا يعم هذا الخير كل الأرجاء ؟ لمَ خلق الله شراً يحيق ببني الإنسان وهم عباده ؟ لمَ لا يحلق هذا الكون بنور الخير عالياً عن دركات الشر ومهابطه ؟ لماذا نرى الحروب والأمراض والأوبئة والمجاعات تجتاح ديار العباد ؟ ألا ترون أن تقدمنا في الزمن يزيد من مستوى الشر وانتشاره أكثر فأكثر ؟!
أجيبوني يا اخوان فعقلي يكاد ينفجر ..
تسمرت نظرات الجميع إليه وبدأ كل واحد يقذف مئات من علامات التعجب والاستفهام عن السائل وغرضه والسؤال و هدفه وسببه وإمكانية الإجابة عليه وعن منطقيته من عدمها..
قلتُ في نفسي ما لنا ولهذه الأسئلة الآن ؟! ومن يمكنه الإجابة عنها .. أخرجت ما في نفسي من كلام على العلن موجهاً به إلى صاحبي : يا صاحبي ما لنا ولهذا الشر ؟! شر السؤال والفكرة .. أنت تبحث عن إجابات لشكوك ومن يشك يفتح لنفسه أبواباً أخرى من جحيم الشك وقد تقود به إلى درجة من الجنون المتدرج ومن ثم الإلحاد والعياذ بالله.
نظر إليّ أحد الحاضرين هناك نظرة استنكار وعدم رضا على جوابي المتهور البعيد عن الحكمة والتروي ، كان ذاك الثلاثيني تبدو الحكمة و غزارة العلم على وجهه ، فسيماه يبدي مَن خَبِر الأحداث بين الكتب وزاحم العلماء حتى الركب ..
قال لي : اهدأ يا أخي فما هكذا تورد الإبل ..
خجلتُ من نفسي وتهوري وغطيت وجهي بلهب من الجهل.. ابتسمت للثلاثيني اشارة على تقبل النصيحة .
بعدها بدأ بالكلام متحدثاً عن القضية بشيء من التفصيل..
يقول الثلاثيني : ما تقوله يا صاحبي ليس بالجديد وليس بالبدعة من نتاج العقل الإنساني فقد قاله قبلك الكثير وسأل عنه العديد وناقشته أيدي الحكماء وأفواه علماء الأديان..
وتجلى كثيراً لدى من اتخذ إلهين إله للنور وإله للظلام يحاول من خلاله حل التناقض الحاصل في عقله عن عدم إمكانية اجتماع النقيضين – الخير والشر – في كائن واحد.
وهو وكما تراه حل ينتجه عقل ما ولكنه ومع ذلك لم يرقى إلى الصحة أبداُ ولم يرضي المؤمنين الموحدين والمتيقنين أن لهذا الكون إله واحد رب السموات والأرض وما بينهما .. لذلك كان لا بد من النظر إلى المسألة باتجاه آخر.
هذا الإتجاه يأخذ بالمسألة إلى مسارين من الحلول .. حل الوهم وحل التكافل بين أجزاء الوجود ..
قاطعه أحد الحضور بعد أن حك رأسه مرتان دليل استفهام وتعجب : حل الوهم وحل التكافل بين أجزاء الوجود ؟! اشرح أكثر لم نفهم.
أكمل الثلاثيني كلامه قائلاً : نعم حل الوهم وحل التكافل بين أجزاء الوجود ، هذان الحلاّن يا أصحاب وكما أراهما الآن قد يصرع أحدهما الآخر عند مقارنة المتسائل بينهما والنظر فيهما .. وسأبين لكم ماهيتهما وباختصار موضح..
حل الوهم يا أصحاب يقول بأن الشر والألم وهم لا حقيقة له وهو عرض زائل يتبعه الخير واللذة الدائمة .. وكما ترون يا أصحاب فالجميع هنا يفضلون الخير الموهوم على الشر الموهوم واللذة الموهومة على الألم الموهوم فكلاهما وهم ويمكن أن يحل الخير وهو الأفضل مكان الشر فالإمكانية موجود للقيام بذلك دون عناء فالمسألة تندرج تحت قضية اللاضرورة في إظهار الألم وبالتالي إمكانية دفع هذا الوهم بوهم آخر يندرج تحت الخير واللذة .
وقد رأى كثير من الفلاسفة والمفكرين عدم قوة هذا الحل وهذا ما يجرنا إلى الحديث عن الحل الآخر .
وهو حل التكافل بين أجزاء الوجود .
فهذا الحل يقول أن الشر في أصله لا يناقض الخير بل هو متمم له ..
نظرَ الثلاثيني إلى وجوه الحاضرين ثم أردف قائلاً : هل المسألة واضحة ؟!
أجبته أنا : بصراحة لا ، وضح أكثر وأرجو أن تفصل في هذه النقطة فهي مثيرة كما تبدو لي وستجرنا إلى حديث أكثر حرارة .
أجاب : سأوضح ولا يهمك .. الشر كما قلت لا يناقض الخير في جوهره بل هو متمم له وشرط لازم لتحقيقه.
كيف ذلك ؟
سأشرح أكثر ..
لا معنى للصبر بغير الشدة ولا معنى للشبع بدون الجوع ولا معنى للشجاعة بدون الخطر ولا معنى للري بدون العطش ولا معنى للصحة بدون المرض ولا معنى لفضيلة بدون نقيصة وهلم جرّا .. لذلك ومن كل ذلك نستنتج أن لا خير من دون شر ولا معنى للأول من دون الثاني ، فالشر متمم للخير وشرط لحدوثه .
أنتفض صاحبنا الحزين المتأسف على حال العالم المليئ بالأحداث المحزنة قائلاً :
كلامك جميل ورائع وأجاب على كثير من تساؤلاتي ولكنه أنتج أسئلة أخرى .. لماذا وجب أن يظهر هذا التكافل في طبيعة هذا الوجود ؟ لماذا لا بد أن يكون الشر شرطاً لفهم الخير ولماذا لا تكون الفضيلة فضيلة إلا بوجود النقيصة ؟ أليس خلق اللذة والخير ألوى برحمه الآله الرحيم من خلق الألم ؟
أطرق الثلاثيني لبرهة ثم أجاب باسماُ :
ها قد عرضت عليك الحلول العقلية وأرى أن تساؤلاتك الآن تندرج تحت إطار المشاعر لا أكثر .
سأسير قليلاً بحديثي لمسار آخر وكأنني أحدث ملحداً يحاول نشر بعض الألاعيب ويدحض فكرة وجود الخالق من الأساس ، لا أقصدك أنت بالملحد وبهذا التشبيه حاشاك وأبعدك عن طريق الزلل والعصيان ولكن فقط من أجل أن أوضح ما أريد الحديث عنه ..
أقول .. إذا كان الإله الذي تظهر في خلقه النقائص والعلل ليس إلها يبلغ درجة الكمال المطلق ، فكيف يكون هذا الإله ذو الكمال المطلق في تصورنا ؟
هل يجب أن يكون إلها ولا يخلق أي عالم من العوالم وبالتالي وجب أن يكون ذو كمال مطلق ؟
أم يجب أن يخلق عالماً يشابهه في الصفات والبعد عن النقائص حتى يعتمل في عقولنا أنه إله ذو كمال مطلق ؟
كِلا الأمرين يستحيلان ويبتعدان أشواطاً وأميالا عن المعقول ..
فالأولى تجعل لا معنى للقدرة عند الإله ذو الكمال المطلق ما لم يمكنه من خلق عالم من العوالم .. فانتقض بذلك وصف الكمال المطلق عند الإله بغياب صفة القدرة عن الخلق ..
أما الثاني فالكمال المطلق الذي يخلق كمالا مطلقاً مثله فهو نقيضة من نقائض اللفظ لا تستقيم في التعبير فضلاً عن التفكير ..فالكمال المطلق صفة منفردة لا أول لها ولا آخر ..وبالتالي لا محل فيها لما هو كامل وما هو أكمل منه .. لذلك من الواضح والبديهي أن يكون الخالق أكمل من المخلوق وألا يكون كلاهما بنفس الصفات .. فكيف لذي الكمال المطلق أن يخلق ذو كمال مطلق آخر .. فالثاني ستظهر عليه صفة إيجاده وهي تنافي إمكانية اتصافه بالكمال المطلق وهو ما ينقض أساس الفكرة الثانية كلها.

تسمر صاحبنا الحزين على حال العالم في مكانه وظهرت على وجهه علامات العجز عن التعليق وتسمرت أنا الآخر تنتابني علامات الفرح والحزن في آن ،، فرحاً بإجابات وافية كافية مقنعة وحزناً على عدم قدرتي على الإتيان بمثل مقاله ..
لم يعبأ متحدثنا بحالنا وواصل المسير والخوض في هذه الأفكار المتواصلة الدسمة ..

سأفتح لنفسي ولكم بعض الأسئلة عن للمقارنة بين أمرين .. أمر القدرة الإلهية وأمر النعمة الإلهية ..
أما القدرة الإلهية فكما تقدم وقلت لا بد من خلق هذا العالم وقد دحضت بكلامي ما يناقض ذلك ..
أما النعمة الإلهية فقد يحاول من خلالها بعض المتشككين والمتشائمين فتح باب لزيادة جرعات الشك والتشائم فقد يقول قائل منهم أن ترك المخلوقات في ساحة العدم أرحم بها من اخراجها إلى ساحة الوجود ما دام الألم قضاء محتوم على جميع المخلوقات .فيرد عليهم بأن النعمة الإلهية بأنعام الله على مخلوقاته بنصيب من الوجود يبلغون به مبلغهم من الكمال المستطاع لكل مخلوق أقرب إلى المعقول من تفسيرهم بترك المخلوق في ساحة العدم .
فمشكلة الشر كما ترون أيها الأصحاب ليست مشكلة كونية ولا عقلية بل تتعلق بالهوى الإنساني الذي يرفض الألم ويرى أن السعادة والشعور بالسرور هو الغالب على طبائع الأمور كلها .. وهذا الهوى الإنساني لا بد له من حكمة تطابقه وتدحضه وتثبط من عزيمته وهو الدين ..
نظر الثلاثيني إلينا متسائلاً : فهمتوا شيء ؟
أجبنا : نعم وكلامك ممتاز وواضح ..
قال : ممتاز .. ماذا الآن ،هل نكمل الحديث عن الدين ؟
أجبت : انظر لساعتك . نظر إليها فكانت الساعة الواحدة صباحاً ،، ابتسم وأردف :
في ليلة ما قد تكون قمرية كهذه الليلة سنكمل حديثنا عن الدين وحاجته وكيف يجيب عن الكثير من التساؤلات .. هيا فلنتفرق وليذهب كل إلى حاجته فأمامنا صلاة الفجر ولا بد من النوم في أسرع وقت ..
تصبحون على خير أيها الأصحاب.